1 Point2 Points3 Points4 Points5 Points [1,73 / 5]
Loading...

نموج قراءة منهجية لنص شعري للشاعر البحتري لفائدة المتعلمين في السنة الأولى من سلك الباكلوريا ( مسلك الآداب والعلوم الإنسانية ) .
كتاب : النجاح في اللغة العربية درس اللغة العربية / المكون القرائي / القراءة المنهجية للنص.
مجزوءة : الشعر العربي والتحولات الحضارية والاجتماعية والثقافية والفنية.
محور : التحولات الحضارية والاجتماعية نموذج : من الشعر العباسي المبدع : الشاعر البحتري الإبداع : قصيدة : ( موكب الخليفة ) ص : 76 .
أولا : القراءة التوجيهية للنص :
1 ) خطوة استعراض وتعرف أرصدة المتعلمين :
1 ـ 1 : نشاط استعراض المعلومات المتعلقة بالمجزوءة ومحورها : أثر التحولات السياسية إبان العصر العباسي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية (من نظام القبيلة إلى نظام الدولة ، ومن البداوة إلى الحضارة، اختلاط الأجناس والأعراق وتداخل الحضارات والثقافات ، وتغير أنماط الحياة ، وتطور العلاقات الاجتماعية )
1 ـ 2 : نشاط استحضار معلومات حول الإبداع وعلاقته بالمجزوءة : تأثر الأدب بالتغيرات السياسية والاجتماعية ( من شعر القبيلة إلى شعر الدولة )
1 ـ 3 : نشاط استحضار معلومات متعلقة بقضية النص 🙁 مظاهر احتفال الخلفاء المسلمين بالأعياد الدينية ) .
1 ـ 4 : نشاط مقارنة النص المدرسي بالنص الأصلي لمعرفة أثر التصرف فيه:
أ ) النص الأصلي : يتكون متنه من 35 بيتا ب ) النص المدرسي يتكون متنه من 22 بيتا ج )
المقارنة بين المتنين : يغطي متن النص المدرسي من متن النص الأصلي ما نسبته حوالي 62 في المائة ، وهي نسبة مقبولة لتمثيل المتن المدرسي لقضية النص الجوهرية. وقد غيب متن النص المدرسي 13 بيتا من متن النص الأصلي ، 8 أبيات من المطلع الغزلي ، و5 أبيات من نهاية النص تتعلق بغرض المديح ، فكان التصرف في بداية المتن الأصلي ونهايته. واحتفظ متن النص المدرسي بالبيت الرابع من المطلع الغزلي ، بينما وقف عند البيت 30 من متن النص الأصلي. وعليه فالتصرف الحاصل في متن النص الأصلي غيب معظم أبيات المقدمة الغزلية ، وجزءا من أبيات المديح ، ومع ذلك لم يؤثر التصرف في نقل أجواء القصيدة بشكل كاف.
2 ) خطوة تأطير النص
: 2 ـ 1 : نشاط التعريف بالمبدع : ـ أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي البحتري نسبة إلى جده بحتر. ـ فترته الزمنية ما بين 205 و284 للهجرة موافق 820 و897 ميلادية. ـ بيئته منبج قرب حلب بالشام ، ثم بغداد بالعراق حيث مدح 6 خلفاء عباسيين أولهم الواثق ، وأشهرهم المتوكل. ـ مذهبه الشعري وطريقته : هو مذهب اللفظ وليس مذهب المعنى ، بدوي الخيال ، حريص على نغم شعره وفصاحته ويضرب المثل بديباجته فيقال : ديباجة بحترية ، وقد لقبه ابن رشيق القيرواني بشيخ الصناعة الشعرية ، طريقته قوامها موسيقى الألفاظ حتى قيل أرد البحتري أن يشعر فغنى ،وقال عنه الآمدي : البحتري أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل ما فارق عمود الشعر. يخالف مذهب أبي تمام وابن الرومي المعنوي حتى أنه قال : “المنطق هو الإتيان بحقيقة المعنى ، والشعر قائم على التمويه والخيال فكيف يجتمعان ؟ ” وأكثر شعره في المديح ، وأقله في باقي الأغراض بما في ذلك الغزل الذي كان يفتتح به قصائد المديح مشببا بامرأة حلبية تدعى علوية. وبالرغم من بدويته فقد أجاد وصف مظاهر الحضارة من قصور وبرك كما هو شأنه مع إيوان كسرى وبركة المتوكل.
2 ـ 2 : نشاط التعريف بالإبداع : ـ مصدره : ديوان البحتري مع تحديد الطبعة لتسهيل الوصول إلى الصفحة. ـ نوعيته : من شعر المديح المصدر بالمقدمة الغزلية . ـ ظروفه : مدح الخليفة العباسي المتوكل أثناء خروجه لأداء صلاة عيد الفطر في المصلى .
3 ) خطوة ملاحظة النص من خلال عنوانه وبدايته ونهايته
: 3 ـ 1 : نشاط الوقوف على العنوان لمعرفة دلالته :
أ ) عنوان النص الأصلي : ” الله مكن للخليفة جعفر “
ب) عنوان النص المدرسي : ” موكب الخليفة “
ج) المقارنة بين العنوانين : عنوان النص الأصلي عبارة عن الشطر الأول من بيت التخلص من الغزل إلى المديح ، وهو البيت العاشر في المتن الأصلي ،و هو عبارة عن جملة اسمية صدرها اسم الجلالة وخبرها جملة فعلية تضمنت فعلا منسوبا لله تعالى مما يوحي بإضفاء الجلال على النص وتوقعه وافتراضه ، بينما عنوان النص المدرسي عبارة عن جملة اسمية صدرها مبتدأ مضاف وخبره محذوف مقدر يفتح آفاقا على فرضيات متعددة ممكنة ،علما بأن الموكب يدل على جماعة الركبان أو المشاة الخارجين للزينة مما يوحي بمهابة هذا الموكب خصوصا عندما يضاف إلى اسم الخليفة ، وهو اسم دال على المهابة والعظمة . ويفوق عنوان النص الأصلي عنوان النص المدرسي بورود اسم الجلالة الموحي بالعظمة والجلال ، واسم جعفر الدال على النهر الغمر، وهي دلالة لا تخلو من عظمة وجلال تجعل آفاق توقعات الدارس عبارة عن انتظار قضية عظيمة جليلة .
د ) البداية والنهاية في المتنين الأصلي والمدرسي :
ـ بداية النص الأصلي هي :

” أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر //// وألام في كمد عليك وأعذر

ـ ونهايته هي : ” ولأنت أملأ للعيون لديهم //// وأجل قدرا في الصدور وأكبر

فالبداية غزلية محضة ، والنهاية مديح محض ، والمنتظر بينهما الجمع بين الغزل والمديح ، وقاسمهما المشترك تعلق الشاعر بعلوية الحلبية ،وبالخليفة المتوكل ، وعزاؤه عن فراق المحبوبة بصحبة الخليفة.

ـ وبداية النص المدرسي هي : ” هل دين علوة يستطاع فيقتضي //// أو ظلم علوة يستفيق فيقصر

ـ ونهايته هي : ” ومواعظ شفت الصدور من الذي //// يعتادها وشفاؤها متعذر

فالبداية والنهاية تجمعان بين الغزل والمديح أيضا ، والبداية عبارة عن استفهام انكاري لبيان استحالة الوفاء بحق المحبوبة ، وبيان ظلمها للمحب بونا وهجرانا علما بأن اسم علوة يوحي بالاستعلاء أو التعالي على المحب ، كما أن دين المحب غرم وهو ظلم المحبوب لهذا قابل بينهما الشاعر. والنهاية عبارة عن إشادة بمواعظ الخليفة في خطبة العيد الشافية للصدور ، وكأن هذه المواعظ قد شفت صدر الشاعر من ظلم المحبوبة ، فتكون بذلك البداية الغزلية عبارة عن شكوى يشفى منها الشاعر أو يسلي نفسه عنها بالمواعظ الشافية للخليفة .

وإذا ما ربطنا البدايتين بالنهايتين و بالعنوانين كان أفق التوقع هو قضية مهيبة في قصيدة جمعت بين عاطفة الحب ، وبين عاطفة الإعجاب .والعاطفتان معا عبارة عن تعلق بالمحبوب وبالممدوح.
4 ) خطوة فهم النص وهي :
4 ـ 1 : نشاط الأداء القرائي السليم المراعي لعلامات الترقيم ، والمتمثل لأساليب النص ، والمحترم لنغم النص الداخلي والخارجي ( قراءة شعرية ) .
4 ـ 2 : نشاط الشروح اللغوية والإضاءات : أ ) شروح لغوية تخص المفردات الغامضة بالترادف والتضاد وفي سياقات مفيدة ، ويستحسن أن تكون من الكلام البليغ قرآنا وحديثا وشعرا وأمثالا. ب ) إضاءات تتعلق بالأسماء الأعلام : علوية / جعفر
4 ـ 3 : نشاط تقسيم النص إلى مقاطع أو وحدات : يتكون النص من مقطع أول يمثله البيت الأول ، وهو مقطع غزلي ، ومن مقطع ثان يتكون من أربعة أبيات تتحدث عن تمكين الله عز وجل للخليفة المتوكل واستحقاقه لهذا التمكين في نظر الشاعر والدعاء له بالزيادة فيه ، ومقطع ثالث يتكون من بيتين فيهما إشارة إلى صوم الخليفة وفطره ، ومقطع رابع يتكون من تسعة أبيات تصور موكب الخليفة أثناء خروجه إلى المصلى لصلاة عيد الفطر ، ومقطع خامس يتكون من ستة أبيات تصف الخليفة وهو يؤم المصلين في صلاة العيد ويخطب فيهم واعظا . فهندسة النص عبارة عن مطلع غزلي تخلص منه الشاعر إلى المديح بدءا بذكر التمكين ومرورا بذكر حدث الصوم والإفطار وبوصف الموكب إلى مصلى العيد ، وانتهاء بوصف إمامة الخليفة وخطبته.
ثانيا : مراحلة القراءة التحليلية :
وتتضمن الخطوات والأنشطة الآتية :
1 ) خطوة التحليل على المستوى الدالي وهي : 1
ـ 1 : نشاط تحديد وحصر معجم النص المهيمن وهو : ( مكن ، الخليفة ، نعمى ، اصطفى ، أمير المؤمنين ، الفواضل ، البر ، أفضل صائم ، أنعم بيوم الفطر ،عز الملك ، جحفل لجب ، العديد الأكثر ، الخيل ، الفوارس ، البيض ، الأسنة ، العجاج الأكدر ، الدجى ، العثير ، الوجه ، الناظرون ، الطلعة ، هللوا ، نور الهدى ، خاشع ، متواضع ، المنبر ، فصل الخطاب ، الحكمة ، الحق المبين، برد النبي ، تنذر ، تبشر ، مواعظ ، شفت الصدور )
1 ـ 2 : نشاط الحقول الدلالية للنص وهي : أ ـ حقل الجلال والعظمة والأبهة أثناء خروج الخليفة لصلاة عيد الفطر ب ـ حقل ورع وخشوع وتواضع الخليفة في صلاته . ج ـ والحقلان يتقاطعان ويتكاملان ولا يتناقضان إذ من الثقافة الإسلامية إظهار القوة والغزة يوم العيد للناس بما فيهم الأعداء ، وإظهار الخشوع والخضوع لله تعالى والذلة له خوفا منه وللمسلمين رحمة وشفقة بهم .
2 ) خطوة التحليل على المستوى الدلالي وهي :
2 ـ 1 : نشاط رصد الجانب الصوتي الإيقاعي للنص :
أ ـ الموسيقى الخارجية للنص :
استعمل الشاعر بحر الكامل ” متفاعلن متفاعلن متفاعلن ” المكون من ثلاثين مقطعا صوتيا ، وهو أكثر بحور الشعر جلجلة وفخامة وجلالا خصوصا عندما يستعمل للأغراض الجليلة ، وقد تصاحبه رقة إذا ما تعلق الأمر بالغزل. وهو بحر كأنما خلق للتغني كما يقول بعض النقاد ومنهم الدكتور عبد الله الطيب في كتابه المرشد ، كما أنه لا يصلح لشعر الحكمة والتفلسف والتأمل. وقد نجح الشاعر في اختيار البحر المناسب لموضوع مدح الخليفة ذلك أن فخامة إيقاع هذا البحر الشعري ناسبت عظمة الحدث وهو خروج الخليفة لصلاة العيد في موكب مهيب. وإلى جانب البحر نجد الشاعر قد اختار قافية ذليلة لقصيدته بحرف روي واضح الصوت في الأسماع ، وهو حرف الراء الذي يغلب عليه التفخيم خصوصا عندما تصاحبه حركة الضم ، وهو صوت مكرر لالتقاء طرف اللسان بحافة الحنك مما يلي الثنايا العليا فيتكرر في النطق كأنما يطرق طرف اللسان طرقا لينا مرتين أو ثلاث مرات ، وهو صوت متوسط بين الشدة والرخاوة ، وهي صفة تناسب جو النص لما فيه من مهابة . ونظرا للتصرف في النص المدرسي فقد غابت ظاهرة التصريع ،و هي ظاهرة تدخل ضمن موسيقى النص الخارجية إلى جانب البحر والقافية ، والمطلع المصرع هو :
أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر //// وألام في كمد عليك وأعذر فهذا التصريع يوحي بفخامة الإيقاع من بداية النص حيث قابلت كلمة ” أظهر” كلمة ” أعذر ” . وخلاصة القول أن الموسيقى الخارجية الفخمة في النص تساير موضوعه الفخم .
ب ـ الموسيقى الداخلية :

وهي موسيقى الأصوات المفردة والكلمات والعبارات : ـ موسيقى الأصوات المفردة : ويتعلق الأمر بتكرار أصوات في البيت الشعري ، فينتج عن تكرارها من جهة ، وعن مجاورتها لأصوات تنسجم معها إيقاع داخلي يتفاوت من بيت إلى آخر، و يعطي قيمة مضافة للموسيقى الخارجية للنص.
فقول الشاعر مثلا :
” هل دين علوة يستطاع فيقتضى ” فيه تكرار حروف حلقية هي الهاء والعين مما جعل موسيقى البيت الداخلية تنسجم مع حالة الشاعر العاطفية ، وكأن تكرار حروف الحلق هذه عبارة عن تعبير عن آهات الألم من شدة الحب. ونصادف ظاهرة تكرار وتوالي الأصوات في العديد من أشطر وأبيات القصيدة منها قول الشاعر :
” فاسلم أمير المؤمنين ….
” حيث تكرر حرف الميم والنون فأعطى الشطر نغما داخليا متميزا.
” فانعم بيوم الفطر عينا ” حيث تكرر حرف العين والميم والياء
” يعتادها وشفاؤها متعذر ” حيث تكرر حرف العين والهاء والتاء
” والجو معتكر الجوانب أغبر ” حيث تكرر حرف الجيم والباء والراء
” حتى طلعت بضوء وجهك فانجلت ” حيث تكرر حرف الجيم والتاء
” ورنا إليك الناظرون…. ” حيث تكرر حرف النون والراء
” ومشيت مشية خاشع متواضع ” حيث تكرر حرف الشين والتاء والعين
وتكرار هذه الأصوات يعطي القصيدة تغما موسيقيا داخليا يلطف من هيمنة الموسيقى الخارجية الرتيبة تماما كما يتميز صوت آلة موسيقية في بعض اللحظات أثناء عزف الجوقة لمعزوفة أو سنفونية. و يوحي النغم الموسيقي الداخلي بالجو المهيمن على الدلالة .
ـ موسيقى الكلمات المفردة : ويتعلق الأمر بالجناسات والطباقات التي تستضمر موسيقى داخلية.
فمن الجناسات قول الشاعر : هل دين علوة يستطاع فيقتضى //// أو ظلم علوة يستفيق فيقصر
الله مكن للخليفة جعفر //// ملكا يحسنه الخليفة جعفر
نعمى من الله اصطفاه بفضلها //// والله يرزق من يشاء ويقدر
” بالبر صمت وأنت أفضل صائم ”
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا //// لما طلعت من الصفوف وكبروا
” ومشيت مشية خاشع متواضع ”
ومواعظ شفت الصدور من الذي //// يعتادها وشفاؤها متعذر
وفرت هذه الجناسات للأبيات الواردة فيها نغما موسيقيا داخليا أيضا يخدم دلالتها.
ومن الطباقات قول الشاعر : ” والله يرزق من يشاء ويقدر ”
” فيها المقل على الغنى والمكثر ”
بالبر صمت وأنت أفضل صائم //// وبسنة الله الرضية تفطر
والشمس مانعة توقد بالضحى //// طورا ويطفئها العجاج الأكدر
ومشيت مشية خاشع متواضع //// بالله لا يزهو ولا يتكبر
فهذه الطباقات توفر كذلك للقصيدة نغما موسيقيا داخليا يعلو عندما تصادف جناسات أو تكرار أصوات مفردة. ولها أثرها في تقريب دلالة النص من الأذهان والأذواق.
ـ موسيقى العبارات والتراكيب والتكرارات العمودية والأفقية ويتعلق الأمر بالمقابلات من قبيل قول الشاعر:
هل دين علوة يستطاع فيقتضى //// أو ظلم علوة يستفيق فيقصر
فالخيل تصهل والفوارس تدعي //// والبيض تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعة تميد بثقلها //// والجو معتكر الجوانب أغبر
فهذه مقابلات توفر أيضا نغما موسيقيا داخليا للدلالة على معاني النص.
ومن التكرارات العمودية قول الشاعر في دعائه للخليفة :
” فاسلم أمير المؤمنين ….”
” فانعم بيوم فطر….” حيث تكررت صيغة الأمر المستعملة للدعاء عموديا لتوفر نغما موسيقيا داخليا خاصا.
2 ـ 2 : نشاط يكشف الجوانب الصرفية النحوية أو المورفو
ـ تركيبية : فالشاعر يستعمل الجمل الفعلية أكثر من الجمل الاسمية حيث بلغت نسبة استعمال الجمل الفعلية 59 في المائة ، وهو ما ناسب جو القصيدة الواصفة لحركة خروج الخليفة من أجل صلاة العيد ، ومعلوم أن خاصية الجملة الفعلية التعبير عن التجدد في حين تدل الجملة الاسمية على الثبات . وأما الضمير الغالب على النص فهم ضمير المخاطب إذ عدل الشاعر منذ بيت التخلص عن ضمير الغائب ليخاطب الممدوح مباشرة ، ولا يخفى ما لضمير الخطاب من قوة إذا ما قيس بضمير الغيبة ، وشتان بين حضور وغيبة . وغرض المديح لا يناسبه إلا ضمير الخطاب .
2 ـ 3 : نشاط الجانب الجمالي الفني أو البلاغي : مقابل إكثار الشاعر من التركيز على الجانب اللفظي نجده مقلا فيما يتعلق بالتصوير إذ لم يوظف سوى القليل من المجاز والاستعارة ، ومن ذلك على سبيل الحصر قوله :
” يوم أغر ” ، ” والجبال تسير ” ، ” والبيض تلمع والأسنة تزهر ” ، والأرض خاشعة ” ، ” والشمس مانعة ” ، ” وضوء وجهك ” ، ” لابسا نور الهدى ” ، “شفت الصدور”
فالشاعر راهن على الألفاظ والإيقاع الخارجي والداخلي أكثر من رهانه على التصوير والخيال لأن المقام احتفالي ، و موضوع القصيدة عبارة عن مديح لا يتضمن عمق الأفكار ، أو صدق المشاعر ولا يحتاج إلى خيال مجنح يركب التصوير ، بل يكفيه الإيقاع ليطرب الممدوح .
3 ) خطوة التحليل على المستوى التداولي وهي :
3 ـ 1 : نشاط رصد أساليب النص ودلالتها : فالغالب على هذا النص الأسلوب الخبري المناسب لوصف خروج الخليفة إلى المصلى لأداء صلاة العيد ، وقلما عدل الشاعر عن الأسلوب الخبري إلى الأسلوب الإنشائي حينما اقتضى المقام الدعاء للخليفة ، فجاء الإنشاء النادر محسنا للخبر الغالب .
ثالثا : مرحلة القراءة التركيبية : وتتضمن الخطوات والأنشطة التالية :
1 ) خطوة تجميع معطيات ونتائج التحليل وهي :
1 ـ 1 : نشاط الربط بين نتائج التحليل : يسجل الشاعر نجاحا في توفير المعجم المناسب لمديحه ، وهو معجم أحال من جهة على الأبهة في الخروج إلى المصلى ، ومن جهة أخرى على الخشوع في الصلاة ، كما يسجل نجاحا في توفير النغم المساوق لمديحه خارجيا وداخليا وهو نقطة قوته حيث اختار أفخم بحر عروضي لأفخم غرض شعري وهو المديح. ويسجل نجاحا في تغليب الجمل الفعلية على الجمل الاسمية لدواعي غرضه الشعري أيضا. ولكنه قصر في جانب التصوير لأن غرضه أقرب إلى الخطابة منه إلى غرض شعري يتوقف على الأخيلة ويتطلب الإكثار من التصوير.
2 ) خطوة الحكم على النص وهي :
2 ـ 1 : نشاط الحكم على النص من خلال نتائج التحليل : إذا كان النص قد أدرج ضمن نماذج الشعر العباسي المسجل للتحولات الحضارية والاجتماعية والثقافية فإنه لم يعكس هذا التحول بجلاء ، لأن القضية التي تناولها النص قضية مرتبطة بالشأن الديني الذي لا يتأثر بعامل الزمن ، ذلك أن خروج الخلفاء لصلاة العيد ظاهرة مألوفة في المجتمعات الإسلامية على اختلاف عصورها ، وإظهار القوة والأبهة يوم العيد من التقاليد الموروثة عن عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة ، لهذا لم يضف شعر البحتري قيمة مضافة لعصره ، مع أن موكب الخليفة العباسي المتوكل من حيث حجمه وشكله يختلف عن باقي المواكب في العصور المتقدمة إلا أن الشاعر لم ينقل لنا بدقة التحول الحاصل في المظاهر الحضارية العباسية في هذا النص .
2 ـ 2 : نشاط مقارنة الحكم المتوصل إليه بالآراء النقدية المتخصصة :
من المعروف عند النقاد أن الشاعر البحتري صاحب اتجاه لفظي في شعره الذي يقابل اتجاه أبي تمام المعنوي . لهذا جاء احتفاله باللفظ في هذا النص أكثر من احتفاله بالمعاني. وجاءت معانيه بسيطة غير عميقة ولا فلسفية. وجاءت تجربته الشعرية على غرار التجربة الشعرية التقليدية لأنه لم يترك عمود الشعر. وبمقارنة المتوصل إليها في تحليل هذا النص مع الآراء النقدية القديمة نجد نفس النتائج .