1 Point2 Points3 Points4 Points5 Points [4,37 / 5]
Loading...

الشخص

المجزوءة الأولى: الوضع البشري

تقديم

يتميز البشري بتعقده وتحدده بشروط ذاتية (الشخص، الذات الفردية، الأنا) وتفاعلية (الآخر أو الغير)، وتاريخية (الزمان)، وهذا التحديد للإنسان، يعني أولا أن الوجود الإنساني يخضع لشروط تضفي عليه طابع الضرورة، ويدل ثانيا على بعد خاص لدى الإنسان يتمثل في قدرته  على المبادرة والتباعد والوعي، أي على تفاعل حر مع الآخر ومع المحيط

الوجود الإنساني يتحدد إذن من زاويتين: موضوعية، تعني مجموعة الحدود التي ترسم الوضعية الأساسية للإنسان (الإنسان الكوني)، وتجعله يخضع لعالم الضرورة والحتمية.

وذاتية: باعتبار أن الإنسان بوصفه شخصا، وبواسطة إمكاناته الخاصة يمكنه أن يتحمل الحدود المفروضة عليه إما بقبولها أو رفضها أو تجاوزها، الأمر الذي يؤسس علاقة تفاعل بين الذوات، ويصبح حضور الغير أساسيا في وجوده.

الوضع البشري يتأطر أيضا ضمن حدود زمانية تاريخية، إذ أن للتحولات والتغيرات التي تحدث في صيرورة الوجود الإنساني تأثير في الوضع البشري، وهكذا تمثل مفاهيم الشخص والغير والتاريخ أبعادا ثلاثية للوجود البشري.

بعد الوجود الذاتي المحدد بالوعي والقدرة على تمثل الذات وتملكها من خلال تفكير متباعد.

بعد الوجود التفاعلي المتمثل في علاقة التأثير المتبادل مع الغير، فالغير هو من يمنحني وعيا بوجودي بوصفي ذاتا، وهو من يضفي على ذلك الوجود طابعا إنسانيا.

البعد التاريخي، فالإنسان لا يوجد سوى بوصفه امتدادا لتاريخ يتجاوزه والانتماء إلى الجماعة هو انتماء لصيرورة يكون فيها الإنسان منتجا لوجود متعين في الزمان، إن التفكير في الوضع البشري، كوضع معقد إشكال، يحيل على التساؤلات التالية:

*هل الشخص كبعد من أبعاد الوضع البشري جوهر ثابت أم ذات متغيرة؟

هل يخضع للضرورة أم يبني ذاته بكل حرية؟

هل يمكن تصور الأنا بدون الغير؟

هل توجد جسور بين حاضر الوضع البشري وماضيه؟

الشخص والهوية

مفهوم الشخص     قيمة الشخص

الشخص بين الضرورة والحرية

قلنا سابقا في حديثنا عن الوضع البشري (تقديم)، أن علاقة الإنسان بذاته مكون أساسي من مكونات هذا الوضع، ويندرج مفهوم الشخص ضمن هذا الإطار، فكيف يتحدد الشخص؟ ما هو أساس الهوية؟ هل لها أساس بيولوجي؟ أخلاقي؟ اجتماعي؟ هل الشخص ثابت أم متغير؟ هل هو حر أم يخضع للضرورة والحتمية؟

الدلالة اللغوية

في اللغة العربية كلمة شخص « من فعل شخص، بمعنى ظهر، والظهير هو الجسيم، وفي اللغة الفرنسية personne-personnalité مشتقان من الكلمة اللاتينية  مشتقان من الكلمة اللاتينية persona ومعناها القناع، الذي يضعه الممثل لأداء دوره في المسرح ليتلاءم مع الدور الذي يؤديه على خشبة المسرح.

يظهر من خلال التعريف اللغوي المعجمي، أن استعمال اللفظ في اللغة العربية يحيل على ما هو جسمي مباشر، أما في المعجم الفرنسي، فيحدد الشخص كقناع ودور.

أما في الاصطلاح الفلسفي، فالشخص ليس مجرد لفظ لغوي بسيط وإنما هو مفهوم عقلي، يبني من خلال اللغة الفلسفية (مفهوم الأنا، مفهوم وحدة الشخص، الهوية ، الذات…) كمفهوم ميتافيزيقي أخلاقي، بينما مفهوم الشخصية هو مفهوم سيكولوجي، هو التعبير الخارجي عن الشخص.

مسارات مفهوم الشخص

الفلسفة اليونانية: لا تتحدث عن الشخص كموضوع لانشغالات الفيلسوف، تم الحديث عند أفلاطون عن ثنائية النفس والجسد، أما سقراط، فإن قولته الشهيرة « أيها الإنسان أعرف نفسك بنفسك »، تحمل صدى لمفهوم الشخص.

أرسطو: كرس في فلسفته التمييز بين العبد والسيد وأقصى تبعا لهذا التمييز الأجنبي والعبد من دائرة الأشخاص.

في العصر الحديث تبلور مفهوم الشخص فلسفيا، مع ديكارت، الذي ربط بين الشخص والذات والأنا، وسيحتل مفهوم الشخص موقعا مركزيا في فلسفة كانط الأخلاقية حيث جعل من الإنسان كائنا أخلاقيا في جوهره.

المحور الأول: الشخص والهوية

تقديم

يتعرف كل واحد من الناس على نفسه كشخص في مقابل الأشياء، إنه هو ذاته في مقابل موضوعات العالم الخارجي، إننا نتكلم عن أنفسنا باستعمال ضمير المتكلم « الأنا » ، ونضفي طابعا شخصيا على تجاربنا بردها إلى مركز « الأنا » عندما ألاحظ ألبوم صوري من الولادة إلى الآن: قد أقول « أنا تغيرت » هذه العبارة تحمل المفارقة التالية : التغير والثبات.

التغير من حيث أن صور الألبوم تعكس التغيرات التي طرأت على شخصي من الولادة إلى الآن، الثبات من حيث أنها تعبر عني أنا أي عن هويتي، إن ذلك الرضيع الذي كنته في الماضي هو أنا.

هل تقوم هوية الشخص على وحدة الأنا وتطابقهما أم على تعدد أدوارها واختلافها؟

النص: أساس هوية الشخص: طبعه وذاكرته (جول لاشولييه)

يشير مفهوم الهوية في دلالته الفلسفية إلى خاصية ما هو مماثل ومطابق لذاته، بهذا المعنى، فإن هوية الشخص تعني تطابق ووحدة الفرد مع ذاته، أي أنه هو ذاته في مختلف لحظات وجوده. في نفس هذا الإطار، يتساءل جول لاشولييه عن طبيعة وأساس هوية الشخص: هل تقوم على أساس ماهوي؟ هل تفترض بالضرورة أنا ثابتة؟

يؤكد لاشولييه أن الوقائع تكذب فرضية وجود أنا ثابت وماهوي لأن:

*الإنسان في حالة نوم ليس له أنا، أوله أنا متخيل (غياب الوعي).

*حالة فقدان الذاكرة إثر إصابة في الدماغ.

*حالة المرضى بالفصام وازدواج الشخصية

-إن ما يحدد هوية الشخص ووحدته هو الطبع (المزاج) الذاكرة، يتجلى الطبع أو المزاج في الطريقة الخاصة المميزة لسلوكات الشخص ومواقفه، وأفعاله  في علاقته بالعالم والآخرين والمميزة له كشخص.

-إن الشخص يعيش حالات نفسية شعورية متجددة ومتغيرة باستمرار، ترافق هذه الحالات الباطنية سلسلة من الذكريات المتراكمة.

-إن الطبع والذاكرة من الآليات التي تحافظ على وحدة الشخص وهويته ومطابقته لذاته.

-الهوية أو الهوية: حقيقة الشيء أو الشخص المشتملة على صفاته الجوهرية. وذلك منسوبا إلى هو، يقال مثلا أوراق الهوية=أوراق الشخص الرسمية التي تمنح له من حكومته.

أطروحة لاشولييه حول « هوية الشخص » تقوم على أساس نقد التصور الماهوي-ديكارت نموذجا- الذي يرى أن هوية الشخص، جوهر روحي هو الفكر « الأنا أفكر »، والتفكير كصفة من صفات النفس يعني مختلف العمليات الذهنية والسيكولوجية من شك وفهم وتصور… وظيفته التمييز بين الصواب والخطأ، الحقيقة والوهم، الوعي بالذات والأشياء…

إن هوية الشخص تتحدد حسب ديكارت في أفعال التفكير التأملي وهي متعددة ومختلفة (الشك، الإثبات، النفي، التخيل…) وهذا التعدد في أفعال الأنا لا ينفي هويتها، باعتبارها أنا واحدة وثابتة.

إن الأطروحة الديكارتية، لا تتحدث عن الشخص إلى في بعده المعرفي والميتافيزيقي، ومن ثمة فهويته الثابتة مجردة ميتافيزيقية، لا تتضمن أي تصور لما هو اجتماعي وتاريخي وأخلاقي في تحديد الهوية الشخصية، إنها ذات مفصولة عن وجودها.

وخلافا للموقف الذي يعتبر الوعي أو العقل أو الذاكرة أساسا للهوية، يرى موقف آخر (شوبنهاور) أن العقل مجرد تابع لقوة يسميها الإرادة ويصفها بإرادة الحياة التي  تفرض نفسها علنيا بقوة طاغية، فالإرادة هي أساس الهوية الشخصية لأنها تبقى عندما ننسى أو نتغير كليا.

خلاصة أولية

المعالجة الفلسفية للإنسان كشخص، تمت في إطار مقاربة مفهوم الذات (الأنا) كوعي أو كحالات سيكولوجية شعورية بمعزل عن علاقة نشاط الذات بما هو اجتماعي، ثقافي، تاريخي…

البنية النفسية الثلاثية للشخصية « سيغموند فرويد

في مقابل التصورات الفلسفية السابقة (لاشولييه-ديكارت-شوبنهاور…) التي عالجت مفهوم هوية الشخص، يقدم فرويد من منطلق عمومي (التحليل النفسي) تصورا جديدا للشخصية كبناء دينامي تتفاعل فيه ثلاثة قوى هي:

*الهو: موطن الغرائز والدوافع الحيوية التي تتطلب إشباعا مباشرا للحاجات العضوية والنفسية (المنطقة الحيوانية).

*والأنا الأعلى: ويمثل مجموع القيم والمثل الأخلاقية التي يكتسبها الفرد من المجتمع ونظامه الأخلاقي والتربوي والديني… والتي تمارس عليه ضغطا نفسيا (الضمير)…

*الأنا: منطقة الوعي والشعور والإدراك… وظيفتها تحقيق التوازن، من خلال التوفيق بين المطالب المتناقضة للهو، والأنا الأعلى والواقع… إن الأنا تقوم بدور التنسيق بين قوى متناقضة في الشخصية، وذلك من خلال آليات مختلفة… وهو مطالب بإحداث نوع من التوافق والانسجام بين هذه القوى المتفاعلة.

مما سبق يمكنأن ننتهي إلى ما يلي:

التحليل النفسي عالج مفهوم الشخصيو كبناء سيكولوجيمركب، متفاعل ودينامي، وبالتالي فإن هوية الشخص كذات أو أنا واعية لا تشكل إلا مستوى من مستويات مختلفة من الشخصية.

لا يمكن اعتبار الأنا بالرغم من دوره الأساسي حسب النحليل النمفسي- أساس هوية الشخص ووحدته، لأن أساس البناء النفسي للشخصية هو اللاشعور (اللاوعي).

ينتهي التحليل النفسي إلى تجاوز التصور الفلسفي الماهوي، الذي يجعل من الأنا الواعي المفكر مركز هوية الشخص.

المحور  الثاني: الشخص بوصفه قيمة

إذا كان للشخص هوية ووحدة تحافظ عليها، فمن أين يستمد قيمته الأخلاقية، من ذاته أم من علاقته بالآخرين؟

هل تكمن قيمة الشخص في كونه غاية أم وسيلة؟

أطروحة مونيي

يرى مونييه من منظور شخصاني(الشخصانية)، أن الشخص بناء، إبداع مستمر، لا نهائي، لإمكاناته الخاصة، وبذلك يتجاوز شروط وجوده. إنه نشاط معيش أساسه الإبداع الذاتي. إنه نتاج حركة شخصنة.

وبالتالي فإن ما يمنح  للشخص قيمة، هو شخصيته التي يحددها ككيان يتميز بالإرادة والحرية والوعي، فهي ليست معطى جاهزا منغلقا في فردانيته وإنما هي كيان يتشكل باستمرار.

يميز مونيي بين الشخص ككيان يتميز بخصوصية الفردية وسماته العقلية والوجدانية والجمسية (والذي لا يمكن إرجاعه إلى ما يماثله أو يشبهه) وبين الموضوعات والأشياء الخارجية، فهذه الأخيرة قابلة للتحديد والتعريف، أما الشخص فليس موضوعا ولا يمكن أبدا معاملته كموضوع، إن مراكمة مجموعة من المعارف حوله لا يمكن أن يعبر عن حقيقته ولا أن نتفهمه في كليته.

أطروحة كانط

إن الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل هو شخص أخلاقي، إن النظر إلى الإنسان كجزء من  الطبيعة وكحيوان عاقل، يمكن أن تجعل منه كائنا غير متميز عن أشياء الطبيعة، وبالتالي يمكن اعتباره وسيلة (أداة) لتحقيق غايات الآخرين.

في حين أن فلسفة كانط الأخلاقية تدعونا إلى النظر إلى الإنسان كغاية في ذاته، فهو ليس شيئا (أداة أو موضوعا) ومن ثمة لا يمكن معاملته كوسيلة.

ميز كانط بين الأشياء (الطبيعة) مصدر الميول والحاجات، ليس لها إلا قيمة مشروطة، أي أن الذي يحدد قيمتها هو النتائج المتوخاة منها وليس القيمة في ذاتها (لأنها تعتبر مجرد وسائل)، وبين الأشخاص ككائنات عاقلة مريدة، حرة لا تستعمل كوسائل بل تتعين كغايات في ذاتها.

خلاصة تركيبية

إن مقاربة مسألة قيمة الشخص، تعني دراسة الإنسان في بعده الأخلاقي، أي البحث في ما يمنح الإنسان قيمة.

الفلسفة الشخصانية (مونييه-محمد عزيز الحبابي…) ترى أن قيمة الشخص تكمن في شخصيته-الشخص نشاط وسلوك معيش، إبداع ذاتي وتراكم مستمر لشخصيته، فالشخص حسب مونييه حرية مشروطة بالوضع الواقعي للإنسان، إلا أن هذا الوضع المشروط لا يعني الخضوع للضرورة، لأن الشخص يعمل بشكل دؤوب على تجاوز شروط وجوده، أما الحبابي فيرى أن الإنسان ينتقل من وضعية الكائن إلى الشخص عندما تعي ذاته أوضاعها الخاصة والعامة تبعا لفعلها الإرادي والقصدي عملية التشخصن، أي اكتساب الشخص لخصوصياته  يتم من خلال الشخص كحرية وإرادة وقصد…

أما قيمة الشخص في الفلسفة الأخلاقية لكانط، فإنها تكمن في النظر إليه كشخص يعي ما توجبه عليه طبيعته الإنسانية (عقله- كرامته -حريته- إرادته…) أي ما يجعل الإنسان يسمو عن باقي الكائنات، أي أن الاستجابة للنداء الإنساني، للطبيعة البشرية واجب أخلاقي عملي، تجعل كل شخص محط احترام وتقدير.

لكن إذا كانت الفلسفة الشخصانية تنتهي إلى النزعة الفردية باعتبار أن مصدر قيمة الشخص هو وعي، حرية وإرادة، هذا الأخير يتميز بالمثابرة على اكتساب هذه القيمة، فإن استقلالية الشخص في فلسفة كانط مرتبطة بالغير بناء على قاعدة المساواة أمام الواجب الأخلاقي، بمعنى أن الشخص يستمد قيمتهç الأخلاقية من ذاته ومن علاقته بالآخرين، يقول كانط « تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك كما في شخص غيرك دائما وأبدا كغاية وليس كمجرد وسيلة بتاتا ».

إن القول بأن قيمة الشخص تكمن في الالتزام بالفعل أو الواجب الأخلاقي، الذي تفرضه علينا الهوية الإنسانية وهي هوية موحدة ومشتركة بين جميع الناس (كائنات عاقلة حرة- مريدة- تتحمل مسؤولية اختياراتها.

إن المفاهيم الكلية  المطلقة (الماهية والجوهر والواجب…) من أوهام العقل الكلاسيكي، ومغالطات الفلسفة التقليدية في نظر نيتشه: ذلك أن الغاية من أخلاق وقيم المجتمع تكمن في تصميم نموذج إنساني نمطي في الانضباط والخضوع لأخلاقيات المجتمع، إذ ليست هناك قيم مطلقة تفرض نفسها على الإنسان في نظر نيتشه، فالإنسان هو دائما سيد نفسه، حر، وهو الذي يضفي قيمكة على الموجودات، ويعطيها معنى، فالشخص حر، حريته غير مشروطة، فهو يمارس وجوده الخاص والأصيل…

فهل الالتزام بعادات وقيم المجتمع تؤدي إلى فقدان الإنسان واستقلاليته والقدرة على اختيار وإبداع شخصيته؟

المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية

يتميز الشخص بأنه ذات عاقلة واعية، حرة ومسؤولة… من جهة، غير أن الشخص من جهة أخرى يعيش ضمن مجموعة من الشروط والحتميات العضوية، النفسية الاجتماعية، الأخلاقية والدينية… التي تحد من حريته، هذه الاستحالة تؤدي إلى طرح التساؤلات التالية: هل الشخص حر ومسؤول عن أفعاله واختياراته، أم هو مجرد كائن منفعل، خاضع لإشراطات وحتميات؟

موقف العلوم الإنسانية

إن العلوم الإنسانية بشكل عام (علم النفس، علم الاجتماع، علم الاقتصاد…) تؤمن بوجود حتميات بيولوجية، نفسية، اجتماعية، اقتصادية،… توجه سلوك الفرد وتتحكم فيه، وبالتالي فالشخص يخضع لسلسة من الإشراطات التي تمثل عالم الضرورة، وتلغي إمكانيات الفرد الحرة واختياراته.

التحليل النفسي

الشخصية من منظور التحليل النفسي نتاج للاشعور، فالجهاز النفسي محكوم باللاشعور، سواء على مستوى الهو كموطن للغرائز والحاجات والدوافع البيولوجية، أم على مستوى الأنا الأعلى، الممثل للقيم والمثل الأخلاقية العليا.

التصور السوسيوثقافي

الشخصية نتاج للمجتمع والثقافة، وهي نتاج سلبي لأن الشخصية الإنسانية تتحكم فيهاالأنماط والأشكال الاجتماعية والثقافية وتخضع للاشعور الجمعي.

خلاصة أولية

إن الشخصية من منظور العلوم الإنسانية، عبارة عن نماذج نمطية جاهزةى يتأطر ضمنها الأفراد بشكل موضوعي ومستقل عن إرادتهم… ومن ثمة تختزل وحدة الشخص ووعيه وفكره وحريته وقيمه الأخلاقية… في علاقات أو بنيات لاشعورية، أو في ما تمارسه المؤسسات الاجتماعية من قهر وإكراه باعتباره مجرد موضوع منفعل أفرغ من مقومات إنسانيته.

أطروحة اسبينوزا

في نفس السياق (لكن من منظور فلسفي)، يعالج سبينوزا مسألة الشخص بين وهم الحرية وإكراهات الضرورة، فهل حرية الشخص وفاعليته مجرد أوهام ترجع إلى الجهل بالأسباب والإكراهات والحتميات المتحكمة فيه هو ما يوهم الإنسان بأنه يتمتع بالحرية والإرادة في أنه سيد أفعاله.

إذا كان كذلك، فهل يبقى للسؤال عن حرية الشخص من قيمة أو معنى؟

أطروحة سارتر

إن الوجودية كما يمثلها فيلسوف الحرية سارتر، تدافع –كفلسفة إنسانية- عن حرية الشخص في اختيار وجوده وتحمله مسؤولية اختياره، وذلك عندما تؤكد أسبقية الوجود على الماهية، الإنسان يوجد أولا، ثم بعد ذلك يختار من يكون بوعي وحرية وإرادة.

صاغ سارتر فلسفته الوجودية حول محور أساسي يتمثل في تأكيد الفردية ودعم الحرية، وتتلخص أطروحته حول الحرية في ثلاث قضايا فلسفية أساسية مترابطة:

-الإنسان حر لأن وجوده أسبق من ماهيته: الإنسان حر بطبيعته، وهو الذي يصنع بنفسه هذه الحرية، كما يختار بنفسه ماهيته، فالإنسان يوجد أولا في العالم ثم يحدد ماهيته، بإرادته الحرة، كأن يكون شجاعا أو جبانا، ناجحا أو فاشلا…

-الإنسان مسؤول عن أفعاله ويتحمل نتائجها: يترتب عن القول بحرية الإنسان واختياره لأفعاله أن يتحمل تبعات أفعاله، أي أن الوجودية تجعل كل فرد وصيا على نفسه ومسؤولا عن أفعاله مسؤولية كاملة، بل يؤكد سارتر أن الإنسان عندما يختار لذاته، فإنه يختار أيضا لبقية الناس لأن اختيار الفرد خير دائما.

-نتيجة لمسؤولية الاختيار، يتولد القلد الوجودي: إن حرية  اختيار الفرد للفعل، وما يرتبط بذلك من تحمل للمسؤولية، يؤدي إلى تولد القلق والخوف من نتائج الاختيار وتحمل المسؤولية، ويرى سارتر أن القلق شيء طبيعي في حياة الإنسان الحر المسؤول، ولا يقصد بالقلق، القلق المرضي بل القلق الوجودي، وإذا كانت الوجودية تدافع عن حرية الإنسان، فما هي حدود الحرية الإنسانية؟

إن التصور الوجودي للحرية كفعل فردي –حسب سارتر- يغفل الشروط الموضوعية المادية الاجتماعية والثقافية… والتي يمكن أن تحد من حرية الشخص.

خلاصة

على الرغم من الضغوط والإكراهات التي يخضع لها الإنسان، فإن لهذا الأخير خصوصيات تمنحه القدرة على التحرر وإثبات أناه، ولعل وعيه بهذه الحتميات نفسها يعتبر خطوة على درب التحرر، لأن الإنسان حسب سارتر مشروع وجود يحيا ذاتيا، وإن جوهر الفعل الإنساني هو الحرية.