1 Point2 Points3 Points4 Points5 Points [4,08 / 5]
Loading...

مجزوءة الوضع البشري

1-المعرفة التاريخية

III-مفهوم التاريخ     2-التاريخ وفكرة التقدم

3-دور الإنسان في التاريخ

يعالج مفهوم التاريخ، الوجود البشري التاريخي، كصيرورة تاريخية جماعية ممتدة في الزمان. والقول بأن الإنسان كائن تاريخي، يعني نفي فكرة الثبات والسكون، واستقلال الإنسان بذاته. وتأكيده لفكرة التطور، وتفاعل الإنسان مع المحيط الطبيعي والاجتماعي ودوره فيهما كذات فاعلة.

إن الإنسان كائن تاريخي، لأنه ينخرط في مجرى التاريخ، وصيرورة وقائعه، ولأنه أيضا يجعل من التاريخ موضوع معرفة منظمة وموثقة، فهو يتطلع إلى وصف أحداث الماضي وفهم منطلقها التاريخي وبيان كيفية حدوثها.

أصبح لمفهوم التاريخ معان ودلالات متداخلة ومعقدة، غير أن أعمق دلالة للمفهوم هي ارتباطه باكتشاف الكتابة، لقد اعتبر البعض أن الكتابة هي انتصار للتاريخ، لأن الإنسان أصبح بمقدوره تدوين خبراته ونقلها من جيل لآخر، من مكان لآخر، ومن عصر لآخر، فامتدت الجسور بين الأجيال والأزمنة.

فأي تتجلى أهمية التاريخ وكتابة التاريخ تحديدا؟

ما المعرفة التاريخية وكيف تكون ممكنة؟ هل تفيدنا في الكشف عن منطق التاريخ وفهم سيرورته؟

هي يمكن القول هي يمكن القول إن الإنسان فاعل تاريخي وصانع له أم أنه خاضع له؟

المحور الأول: المعرفة التاريخية

تطرح المعرفة التاريخية إشكالية منهجية تنبع من طبيعة موضوعها: الماضي الذي انقضى، فهل يمكن جعل  أحداث التاريخ ووقائع الماضي موضوع معرفة علمية؟

أطروحة ابن خلدون

التاريخ حسب ابن خلدون، هو سيرورة العمران البشري، وتعتبر المعرفة التاريخية تدوينا لهذه السيرورة، ويميز ابن خلدون بين ظاهر التاريخ، ويقتصر على سرد أخبار الدول، وأصول الماضي، وبين باطن التاريخ، وهو نظر وتحقيق وتعليل وعلم بالكيفيات والأسباب، لا مجرد رواية للأخبار…

أطروحة هنري إيريني مارو

يرى هنري مارو أن التاريخ ليس سردا لأحداث الماضي ولا عملا أدبيا لكتابة الماضي الإنساني، إن التاريخ هو معرفة علمية ينشئها المؤرخ عن ذلك الماضي، معتمدا على منهج علمي صارم ودقيق، هدفه الكشف عن حقيقة هذا الماضي.

خلاصة تركيبية

إن دراسة المؤرخ لماضي الإنسان، لا يعني اهتمامه برواية الحدث فقط، وإنما كذلك التحقيق في الحدث أي البحث في سبب وكيفية وقوع الحدث من أجل فهم التاريخ وجعله معقولا.

وللقيام بدراسات حول التاريخ، تكشف على أن التاريخ كعلم إنساني مستقل بموضوعه ومناهجه ووسائله الخاصة، كان لا بد أن ننتظر القرن 19، حيث بدأ نقد العقل في التاريخ وتقييم عمل المؤرخ وتحديد غايات ومرامي المعرفة التاريخية، وكذا الصعوبات والإشكالات التي تطرحها المعرفة التاريخية.

يمكن القول أن تطور تفسير التاريخ والمعرفة أسباب الحوادث، كان كميا يهتم بالحوادث والأفراد… وتطور إلى أصبح يشمل مناحي الحياة بكاملها، كما تقدم التفسير بتطور التقنيات والوسائل وجمع المعلومات وتنوع المصادر والارتقاء في نقدها لمعرفة ما حدث حقيقة، غير أن التاريخ سيستمر غير مستقل عن الأسطورة والدين، حتى العصر الحديث، حيث ظهرت بوادر النقد ومراجعة منهجية المؤرخ « إن منهجية المؤرخ هي المحددة للمعرفة التاريخية » حسب بول ريكول.

هذه الإرهاصات المنهجية، نلاحظ بداياتها في تفكير عبد الرحمان بن خلدون الذي اعتبر من رواد العصر الحديث، في تأسيس مجموعة من العلوم التي ستظهر في أوربا لاحقا، من بينها التاريخ كعلم متميز عن الرواية.

يرى ابن خلدون، أن التاريخ على مستوى الظاهر، هو سرد الأخبار وحكايات حول أقوام ودول ماضية، لكن على مستوى الباطن هو معرفة علمية تتأسس على منهجية المؤرخ، وتتمثل في التدقيق والتحقيق، في هذه الأخبار والروايات قصد الوقوف على صحتها أو خطأها ومطابقتها أو عدم مطابقتها للوقائع والأحداث.

إن فكرة التحقق والنزاهة في البحث والدراسة التاريخية، نجدها أكثر علمية في تصور هنري مارو، الذي اعتبر التاريخ ليس بحثا أو دراسة للماضي الإنساني، وإنما هو معرفة يبنيها ويشكلها المؤرخ اعتمادا على منهج علمي صارم ودقيق، لذا يميز هنري مارو بين المعرفة التاريخية كمعرفة علمية، وبين اليوتوبيا والرواية اوالأسطورة والتقاليد الشعبية، وكذلك المعرفة العامية لأن هذه الأخيرة غير منظمة.

غير أن المعرفة العلمية، ومحاولة دراسة الماضي الإنساني، دراسة علمية يصطدم بعوائق مختلفة، إن المعرفة التاريخية حسب ماكس فيبر (1864-1920) تبقى محدودة، فالواقع التاريخي الذي يسعى المؤرخ لفهمه واقع كثيف غني ولامتنه في دلالته، وبالتالي لا يمكن لأي عدة منهجية أن تدعي القدرة على الإحاطة به، إضافة إلى كونه واقعا متفردا يستعصي على كل تعميم، وعليه فإن الأسباب المفسرة لهذا الواقع التاريخي لا يمكنها أن تكون موحدة، بل منتقاة انطلاقا من علاقة المؤرخ بالقيم (الدينية والأخلاقية والاجتماعية…) وقد أبرز « بول ريكول » كيف أن المعرفة التاريخية، معرفة يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، والتفسير مع الفهم، والملاحظة مع الافتراض والأنا مع الآخر، والماضي مع الحاضر، بهذا المعنى فإن المعرفة التاريخية معرفة نسبية لا يمكن أن ترقى إلى مستوى موضوعية ويقينية العلوم الحق.

المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

إن التاريخ كصيرورة أو سلسلة من الوقائع والأحداث، يقود إلى التساؤل عن منطق التاريخ: هل هو تقدم أم تكرار؟ هل هناك غاية أو معنى من تراكم التجارب الإنسانية وتسلسل أحداثها أم ذلك يتم بدون غاية أو معنى، وبالتالي يسير تحت رحمة الصدفة؟

أطروحة إدوارد كار

يحدد كار مفهوم التاريخ من خلال التمييز بين التقدم والتطور، حيث يرى أن التطور ذو حمولة بيولوجية، يشير إلى النشوء والارتقاء، وبالتالي لا يمكن قياس قوانين التاريخ على قوانين الطبيعة، في حين يرتبط مفهوم التقدم بأفق سوسيو تاريخي، غير أن مفهوم التقدم نسبي فالتاريخ لا يتجه دائما فيخط متواصل، بدون توقف أو انعطاف بل يتسم بالانقطاع وعدم الاستمرارية.

أطروحة كارل ماركس

يفسر ماركس تقدم التاريخ بفعل التناقض بين قوى الإنتاج المادي (مختلف الوسائل التي يستخدمها الإنسان في الإنتاج بما في ذلك القوى العاملة، وعلاقات التي تربط بين الناس أثناء عملية الإنتاج المادي) وينتهي هذا التناقض بميلاد مجتمع جديد، وبالتالي تاريخ جديد.

أطروحة كلود ليفي ستروس

يؤكد ستروس فكرة التقدم في التاريخ، غير أنه يرى أن التقدم ليس سلسلة متصلة أو منتظمة، أي كخط متصاعد أو سلم، وإنما حركة تختلف في المكان، تلك حال الأنماط الحضارية المختلفة، إن التقدم يجري عبر قفزات أو وثبات، عبر تحولات فجائية وفي جميع الاتجاهات، مما يؤكد أن التقدم التاريخي متقطع ويخضع للصدفة والنسبية.

خلاصة تركيبية

يختلف المفكرون حول طبيعة مسار التقدم التاريخي (منطق التاريخ)، فأصحاب نظرية التطور الدائري (ابن خلدون- تونبي…) يعتقدون أن التقدم يتم على شكل خط دائري أي أن التاريخ يعيد نفسه » ويتميز بتكرار نفسه.

في المقابل، فإن المقاربة الخطية تعتبر التقدم يسير في اتجاه مستقيم، أوجست كونت صاحب قانون « الحالات الثلاث » يرى أن الفكر الإنساني يمر عبر ثلاث مراحل (الحالة اللاهوتية، الحالة الميتافيزيقية، والحالة الوضعية والعلمية)، فالفكر الإنساني تاريخيا هو بمثابة سلسلة متصلة الحلقات. هناك أيضا مورغان (انترولوجي معاصر) يرى بدوره أن تقدم المجتمعات البشرية خطي: مرحلة التوحش مرحلة البربرية ومرحلة التحضر، وهو تقدم لا يعرف الانحراف ولا الانعطاف ولا القفز وإنما هو تقدم تتحكم فيه الضرورة التاريخية كحتمية مطلقة.

أما الماركسية، فتحدد التقدم على شكل لولبي أو حلزوني، يتجه دائما إلى الأمام بشكل تصاعدي، أي أن التاريخ البشري محكوم بتقدم هو في حقيقته تتال لأنماط إنتاج تفهم باعتبارها مراحل تقود إلى بعضها البعض عبر النفي، ويفترض التحليل المركسي وجود هذه الضرورة في الأساس المادي للمجتمع،  (مرحلة المشاعية البدئية- العبودية- الإقطاعية- الرأسمالية- الاشتراكية). غير أن هذه المقاربات الخطية ستنتهي إلى تصور إطلاقي مغلق لضرورة تجعل التاريخ يسير نحو اتجاه محدد وغائي، وفي هذا الصدد وجه كلود ليفي ستروس نقدا حادا لفكرة التقدم بالمعنى السابق، فالتقدم التاريخي في نظره يمكن أن يعرف قفزات أو وثبات، مما يجعله يعرف تحولات فجائية، كما يمكن أن يعرف انعطافا أو تراجعا أو استقرارا.

إذن يمكن لهذا التقدم أن يسير في جميع الاتجاهات الممكنة، مما يعني أنه ليس هناك حتمية أو ضرورة تتحكم في سيره (التقدم) إن القول بفكرة التقدم الضروري الآلي والمحكوم مسبقا بمآل حتمي يضفي على تاريخ البشر صيغة تنفيذ برنامج محدد سلفا، كما يؤدي إلى قبول سلم تصنيف وترتيب يسلم بهيمنة النموذج الغربي، وبكونية تكذبها الانتربولوجيا، فالمجتمعات ليست مطالبة باتباع نفس المسار التطوري الخطي بدعوى ضرورة التقدم، لأن في احترام الاختلاف الثقافي تنسيب لفكرة التقدم (أي نسبية التقدم التاريخي.

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ

الحديث عن دور الإنسان في التاريخ هو الوجه لمسألة منطق التاريخ، فإذا كان التاريخ هو أحداث ووقائع تمت في الماضي، وكانت ناتجة عن اختيارات وقرارات إنسانية، فهل هذا يعني أن الإنسان هو الفاعل التاريخي؟ هل للإنسان دور فاعل في صنع أحداث التاريخ والتحكم في صيرورته وغاياته؟

أطروحة لويس التوسير

من خلال نقده لتصور هيجل-الذي يرى بأن التاريخ هو صناعة الأحداث وتراكم الوقائع التي يقوم بها العظماء الذين لا يدركون أنهم مجرد وسيلة يحقق من خلالها التاريخ « كروح مطلقة » ذاته وغاياته- يؤكد الفيلسوف الفرنسي لويس التوسير، أن التاريخ صيرورة جدلية لا يتدخل الأفراد كذوات فاعلة في صناعة أحداثه ووقائعه، وإنما ذلك راجع إلى نظام البنيات: أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، فهي التي تخلق الأدوار الإنسانية وتحدد بالتالي مسار التاريخ.

أطروحة لوسيان غولدمان

ينتقد غولدمان تصور التوسير وتصور البنيويين عموما للتاريخ، إن التاريخ حسب غولدمان- ليس صيرورة بدون ذوات فاعلة، وليس نتاج بنيات وأنساق متعالية، وإنما التاريخ نتاج لممارسة الإنسان وأفعاله وعلاقاته، إن الناس يدخلون في مجموعة علاقات منظمة وواعية يحولون الواقع ويحولون علاقات الإنتاج، وما البنيات في مختلف صورها إلا مظهر للعلاقات الإنسانية، ولا يمكن أبدا أن تقوم مقام الذات.

أطروحة سارتر

يؤكد سارتر أن التاريخ ليس قدرا محتوما، ولا قوى ضرورية تتحكم في الإنسان وتشل حريته، فالإنسان نتاج للشروط المادية، الاقتصادية والاجتماعية، غير أنه وفي ذات الوقت فاعل تاريخي، يصنع التاريخ ويحوله عمليا ونظريا.

خلاصة تركيبية

يختلف المفكرون حول دور الإنسان في التاريخ وبالتالي حول حقيقة التاريخ ومنطقه، حيث ذهب بعض الفلاسفة أمثال هيجل والتوسير والبنيويون عموما إلى نفي هذا الدور، واعتبار الإنسان مجرد أداة خاضعة للضرورة التاريخية، وذهب البعض الآخر أمثال ماركس وغولدمان وسارتر… إلى الإقرار بأن الإنسان هو الذي يصنع التاريخ.

يرى هيجل أن الإنسان محكوم بالضرورة التاريخية التي تعكس تطور الفكر (الروح)، فالتاريخ يجسد إرادته عبر الأفراد، خصوصا العظماء الذين هم مجرد وسسيلة لتحقيق غاياته… فالتطور التاريخي حسب هيجل (منطق التاريخ)، محكوم بعقل عام، تطور الفكرة أو الروح، وما الإنسان داخل حركية التاريخ غير واسطة أو أداة لتحقيق الفكر أو الروح المطلق (وحدة الفكر والوجود).

من منطلق آخر (ماركس) يتفق التوسير مع هيجل على أن الإنسان كفرد لا يصنع التاريخ- وذلك حسب التوسير-لوجود بنيات سابقة، مستقلة عن إرادة الفرد، هي المتحكمة من خلال علاقاتها في منطق التاريخ، إن قوى الإنتاج تفرض على الناس سلوكات ومواقف معينة وتحدد لهم أدوارهم وتجبرهم على القيام بها، فالذي يخلق الأحداث التاريخية، ليس هو الإنسان، وإنما تحققها قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، إذن البنيات الاقتصادية هي التي تتحكم في منطق التاريخ وسيرورة أحداثه.

على هذا النحو، يؤكد البنيويون غياب الإنسان ودوره في التاريخ، لأن التاريخ من المنظور البنيوي تحدده العلاقة بين البنيات، مما يعني أن الإنسان لا قيمة له خارج البنية، فهي تشترط وجوده وتحدد أفعاله وسلوكاته، فهو محكوم بالذوبان داخل البنية، فالفاعل هو البنية لا الإنسان، لهذا تقول البنيوية بنهاية الإنسان أو موت الإنسان.

في مقابل هذا التصور الذي يؤكد أن حركة التاريخ، حركة تحكمها الضرورة، يؤكد التصور الماركسي وامتداده مع لوسيان غولدمان وسارتر، … أن الإنسان ذات فاعلة في التاريخ، وله القدرة على صنع التاريخ.

ينتقد ماركس تصور هيجل للتاريخ، ويكشف عن طابعه المثالي التجريدي، يؤسس ماركس تصوره للتاريخ على أساس مادي تاريخي، حيث يجعل من الطبقة الاجتماعية فاعلا تاريخيا، محددا لمساره.

وإذا كان الإنسان يتحدد وفق الشروط المادية للمجتمع وبنياته الاقتصادية والاجتماعية-حسب الماركسية- فإن هذا لا يمنع الذات الإنسانية ودورها الفاعل حسب لوسيان غولدمان، فالناس هم الذين يشكلون  قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، فهم ينتظمون داخل الطبقات الاجتماعية، وهم الذين بوعيهم وإرادتهم يصنعون تاريخهم، أو بتعبير سارتر، يتجاوز الإنسان وضعه المحكوم بالشروط الموضوعية لتحقيق مشروعه الذي هو عبارة عن حقل ممكنات يختار إحداها ليحققها وبهذا المعنى يعتبر الإنسان فاعلا تاريخيا وصانعا له بالمعنى الوجودي والتاريخي والماركسي