1 Point2 Points3 Points4 Points5 Points [1,59 / 5]
Loading...

ملخص الوحدة:
يواجه العالم تحديات كبرى في المجالين السكاني والبيئي، وتتولد عنها مشاكل اقتصادية واجتماعية وبيئية، وتشكل هذه التحديات تهديدا خطيرا لمستقبل كوكب الأرض، مما يحتم تدبير هذه التحديات عبر التنمية المستدامة. فبماذا تتميز الوضعيتان السكانية والبيئية على المستوى العالمي ؟ وما العوامل المفسرة لهما ؟ وأين تتجلى التحديات التي تطرحها هاتان الوضعيتان ؟ وكيف يمكن تدبير هذه التحديات لإيجاد حلول ناجعة لها ؟

1. وصف الوضع السكاني في المجال العالمي وتفسيره ورصد أهم تحدياته الكبرى
1.1. يتصف الوضع السكاني العالمي بظاهرة الانفجار الديموغرافي وتفسره عدة عوامل
شهد العالم في القرنيين الأخيرين نموا سكانيا سريعا متسببا في حدوث ظاهرة الانفجار الديموغرافي. ويفسر ذلك بعوامل مختلفة:
– ديموغرافية: ارتفاع نسبة التزايد الطبيعي بفعل تراجع الوفيات وارتفاع الولادات
– وطبية: تحسن الظروف الصحية للسكان بفضل التقدم الطبي والقضاء على الأمراض الفتاكة.
– واقتصادية: تحسن ظروف التغذية بارتفاع الإنتاج الفلاحي والصناعي.
– واجتماعية: تحسن المستوى المعيشي، وانتشار الوعي.
بيد أن استقراء تطور وتيرة هذه الظاهرة يبرز وجود تفاوتات زمنية ومكانية في حدتها. فعلى المستوى الزمني، مر نمو سكان العالم بمرحلتين كبيرتين:
– المرحلة الأولى: تغطي جل التاريخ البشري إلى منتصف القرن 118، وتميزت بنمو ديموغرافي بطيء وتطور غير منتظم بفعل تأثير الكوارث والآفات الطبيعية، وانتشار الأمراض والأوبئة والمجاعات.
– المرحلة الثانية: امتدت منذ منتصف ق 18 إلى اليوم، واتسمت بنمو سريع جدا، فقد تضاعف خلالها عدد سكان العالم عشر مرات. ويعزى ذلك إلى عدة عوامل تتلخص فيتحسن ظروف السكان الصحية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بفعل نتائج الثورتين الفلاحية والصناعية والتقدم التقني.
على المستوى المكاني، تباينت وتيرة النمو السكاني ما بين الدول المتقدمة والدول النامية؛ فالتطور السكاني في البلدان المتقدمة ظل ضعيفا، فيما سجلت البلدان النامية نموا ديموغرافيا قويا وسريعا جدا. ويفسر هذا بتباين الأنظمة الديموغرافية؛ إذ تتميز الدول المتقدمة بنظام ديموغرافي عصري حيث سجل تراجع كبير في الولادات والوفيات معا، مما انعكس على تراجع معدل التزايد الطبيعي. بينما لا تزال الدول النامية تعيش نظاما ديموغرافيا تقليديا والمتسم بتراجع كبير في الوفيات واستمرار ارتفاع الولادات، مما جعل النمو الطبيعي يظل مرتفعا.
عموما، يشهد العالم حاليا انفجارا ديموغرافيا سريعا وقويا جدا، ومن المتوقع أن يستمر ذلك خلال القرن 21 بحدة أقوى. ويمثل هذا مشكلا عويصا للبشرية لأنه يطرح تحديات اقتصادية واجتماعية كبرى.

2.1. يولد الانفجار السكاني العالمي تحديات اقتصادية واجتماعية كبرى مما استلزم بذل الجهود لمواجهتها
* في الميدان الاقتصادي: تتجلى التحديات في جانبين: أولهما اختلال التوازن ما بين النمو السكاني السريع من جهة، والنمو الاقتصادي البطيء والمحدود من جهة أخرى، ثانيهما، مشكل الخصاص الغذائي خصوصا في العالم النامي حيث أن الموارد الاقتصادية المتاحة لا تكفي لسد متطلبات الثقل الديموغرافي. ولمواجهة هذين التحديين تبذل الجهود على مستويين: أولا سن سياسة تنظيم النسل والتخطيط العائلي، للتحكم في وتيرة النمو السكاني وجعلها توازي النمو الاقتصادي. ثانيا تسخير البحث العلمي لإحداث ثورة فلاحية جديدة قصد مضاعفة الإنتاج الفلاحي العالمي والبحث عن مصادر غذائية جديدة غير تقليدية اعتمادا على الموارد البحرية وتقنيات الزراعات المعدلة وراثيا.
* وفي المجال الاجتماعي: يطرح النمو السكاني السريع عدة تحديات كبرى تؤدي إلى اختلال وتباين الأوضاع الاجتماعية لساكنة العالم. ويتمثل ذلك في: المجاعة التي تمس حاليا أزيد من 850 مليون شخص في العالم وبالأخص في إفريقيا وبعض بلدان العالم النامي. الفقر: إذ أن هذه الآفة تهم 1.3 مليار شخص وتنتشر بالأخص في بلدان أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا الوسطى والجنوبية. البطالة: وخصوصا في أوساط الشباب حيث تهم 195 مليون شخص في العالم. الأمية: التي يعاني منها أزيد من 860 مليون فرد على الصعيد العالمي وتنتشر خصوصا في إفريقيا وآسيا. المرض: وخصوصا الأمراض الفتاكة كالملاريا والإيدز (فقدان المناعة) المنتشرة في إفريقيا.
وتتخذ تدابير لمواجهة هذه التحديات الاجتماعية، سواء من قبل الدول المعنية، أو بعض الهيئات الدولية المختصة التابعة للأمم المتحدة، كالمؤتمر العالمي للسكان والتنمية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسكو… أو من طرف جمعيات المجتمع المدني مثل « منظمة أطباء بلا حدود ».

2. مظاهر التدهور البيئي في العالم وعوامله، والإجراءات المتخذة لمكافحته
1.2. يتصف الوضع البيئي في المجال العالمي بالتدهور ويطرح جملة من التحديات الكبرى
تتميز البيئة أصلا بالتوازن الهش، وزاد تدخل الإنسان وضغوطات النمو الديموغرافي في استنزاف مواردها غير المتجددة، وإحداث إذايات خطيرة بمكوناتها المتجددة. وبذلك أصبح الوضع البيئي العالمي يعاني اليوم من التدهور والتراجع وفقدان التوازن الطبيعي. وقد تبلور ذلك في بروز عدة مشكلات بيئية ذات بعد عالمي مثل: تراجع مساحات الغابات والنباتات الطبيعية بسبب الاجتثاث، وتراجع التنوع الحيوي والذي أدى إلى انقراض كثير من الحيوانات البرية والبحرية بسبب الصيد والقنص، وتلوث الهواء والماء والتربة بسبب النشاط الصناعي واستعمال المبيدات والأسمدة ووسائل النقل والمواصلات، والتصحر وتدهور إنتاجية التربة بفعل استنزافها عن طريق الاستغلال الكثيف، ونقصان الموارد المائية بفعل الطلب السكاني المتزايد والتلوث والسقي، واستنزاف الموارد الطبيعية غير المتجددة كالمعادن ومصادر الطاقة بسبب النشاط الصناعي الكثيف، وحدوث تغيرات مناخية والتي تتجلى في الارتفاع المتواصل لحرارة كوكب الأرض ونقص كمية التساقطات (الجفاف) بسبب تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن تلوث الجو بغاز ثاني أكسيد الكربون، وأخيرا تزايد حدة بعض الكوارث الطبيعية كموجات الجفاف والفيضانات والزلازل والأعاصير المدارية… بسبب التغيرات المناخية.
هذا الوضع البيئي المتدهور يطرح تحديا كبيرا، هو كيف يمكن للإنسان استثمار البيئة واستغلال مواردها بشكل سليم، وإعادة التوازن للمنظومات البيئية المتدهورة قصد القضاء على المشكلات البيئية.

2.2. عوامل التدهور البيئي وبعض الإجراءات المتخذة للتخفيف من اختلالاته
يفسر التدهور البيئي وظهور المشكلات البيئية بعدة عوامل ترتبط بالإنسان وأنشطته؛ فالضغط السكاني الناتج عن الانفجار الديموغرافي دفع بالإنسان إلى مضاعفة استغلال الموارد الطبيعية من ماء، وتربة، وغابات ونباتات، ومعادن، ومصادر للطاقة، والثروة السمكية، قصد الاستجابة لمتطلباته الكثيرة والمتزايدة. وأحدث ذلك تحولات جذرية في المحيط الطبيعي بسبب كثافة الأنشطة الاقتصادية (التلوث، الاجتثاث، التعرية…). وساهم تباين المستوى المعيشي للإنسان في التدهور البيئي؛ فالفقر يزيد من الضغط على الموارد الطبيعية لتأمين حاجات الإنسان، كما أن الغنى يؤدي إلى تبذير الموارد بسبب كثرة الاستهلاك.
ولتدبير تحديات التدهور البيئي تبذل عدة جهود على الصعيد العالمي؛ فقد عقدت عدة مؤتمرات دولية حول البيئة مثل: قمة الأرض بريوديجانيرو سنة 1992 حول البيئة والتنمية، ومؤتمر كيوطو سنة 1997 حول التغيرات المناخية، ومؤتمر جوهانسبورغ سنة 2002 حول التنمية المستدامة… كما تم إنشاء هيئات دولية حول البيئة التابعة للأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة PNUE… إلى جانب ذلك تلعب منظمات المجتمع المدني دورا كبيرا في حماية البيئة، مثل « منظمة السلام الأخضر Greenpeace »، وجمعية « أصدقاء الأرض »…

3. العلاقة بين النمو السكاني والتدهور البيئي ودور التنمية المستدامة في إعادة التوازن بينهما
1.3. أوجه العلاقة بين النمو السكاني والتدهور البيئي
في الدول المتقدمة ينمو السكان بوتيرة بطيئة وضعيفة جدا، بل إن النمو تقف نهائيا في بعضها، وأصبحت تشكو من شيخوخة مجتمعاتها. بيد أن ارتفاع المستوى المعيشي فيها يؤدي إلى ارتفاع مستوى استهلاك الفرد للموارد الطبيعية. كما أن حركة التصنيع القوية تحدث ضغطا قويا على هذه الموارد وعلى مكونات البيئة (التلوث، الأمطار الحمضية، نفاد الموارد غير المتجددة…).
وفي بلدان العالم النامي تتعرض البيئة لضغوطات أشد عنفا وقوة بسبب الانفجار السكاني؛ فسكانها يزدادون بوتيرة سريعة جدا، في الوقت الذي يتزايد فيه مستوى استهلاكهم للموارد الطبيعية، بفعل التحسن المستمر لمستوى معيشتهم. كما أن الفقر يدفع بسكان العالم النامي إلى الضغط على البيئة لتأمين مستلزماتهم الحياتية. وهذا ما تسبب في ظهور عدة مشكلات بيئية مثل التصحر (تراجع خصوبة وإنتاجية التربة)، واستنزاف المياه والموارد المعدنية والطاقية، وتراجع مساحات الغابات (بفعل الاجتثاث والاحتطاب)…
إن التدهور البيئي في العالم يرتبط بعوامل عدة: كتزايد وتيرة التصنيع وارتفاع مستوى المعيشة، والنمو السكاني وما يرافقه من تزايد الحاجة إلى الموارد الطبيعية، والفقر، والأمية… وكلها عوامل تؤدي إلى تزايد الطلب العالمي والضغط على الموارد الطبيعية بشكل يفوق قدرة البيئة على التجدد الطبيعي. إن أكبر تحدي يواجهه العالم حاليا ومستقبلا هو كيفية التوفيق بين متطلبات النمو السكاني السريع وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في احترام تام لوضعية البيئة ومراعاة توازناتها. وهذا ما يدعو بإلحاح إلى ممارسة التنمية المستدامة.

2.3. تشكل التنمية المستدامة الحل الأمثل للتحديين السكاني والبيئي في المجال العالمي
التنمية المستدامة هي العمل على تحسين مستوى عيش السكان (التنمية البشرية)، أي تحسين نوعية الحياة، ويتم ذلك عبر تحقيق التنمية الاقتصادية (الزيادة في إنتاج وفعالية النشاط الاقتصادي)، مع تدبير جيد لإمكانات وموارد البيئة، وذلك قصد مراعاة توازناتها واحترام حقوق الأجيال المقبلة من الموارد الطبيعية. وتسعى التنمية المستدامة إلى المواءمة والتوفيق بين ثلاثة عناصر رئيسية هي: السكان ومتطلباتهم، الاقتصاد (تحقيق النمو الاقتصادي قصد الاستجابة لحاجات السكان)، والبيئة (احترام توازنها والاستثمار الرشيد لمواردها).
إن الغاية من التنمية المستدامة هو البحث المستمر عن حلول ناجعة ومتكاملة (اقتصادية واجتماعية وبيئية) للتحديات التي يطرحها الانفجار السكاني والتدهور البيئي. ويكون ذلك باتخاذ إجراءات من قبيل: تطوير مصادر الطاقة النظيفة غير الملوثة، وكبح عملية التلوث وخصوصا الجوي، ووضع حد للأنشطة البشرية المدمرة للبيئة، وتدبير استغلال الموارد المائية، وإنقاذ الغابات بتنظيم عملية الاجتثاث والقيام بالتشجير، وإنقاذ ما بقي من التنوع الحيوي، والتخطيط الجيد للمدن وللأرياف، وإعداد السواحل وتقنين الصيد البحري، وتحسين الأوضاع الصحية للسكان، والتحكم في وتيرة النمو السكاني بإتباع سياسة التخطيط العائلي وتحديد النسل، وإحداث ثورة زراعية جديدة للرفع من الإنتاج الزراعي، وأخيرا نشر الوعي البيئي بين السكان…
خاتمة:
تمثل مسألتا النمو الانفجار السكاني والتدهور البيئي اليوم تحديين كبيرين يواجهان العالم نظرا للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تنتج عنهما. وعلى الرغم من بعض الإجراءات والتدابير المتخذة على الصعيد العالمي، فإن نتائجها لازالت جد محدودة. لذا فالتخوفات قائمة، والأخطار المحدقة بكوكب الأرض تظل مستمرة. وهذا ما يتطلب تكثيف جهود الجميع، دولا وشعوبا وأفرادا، ما دام المصير واحد